روان.. شهادة وفاة الإنسانية

بين أروقة حرم جامعة الزقازيق، حيث يستعد الجميع لمشارف نهاية الفصل الدراسي، كانت “روان ناصر” الطالبة الهادئة، صاحبة العيون النقية، تساعد زملاءها بحبٍ، تعافر لدنو نهاية حلمها الذي بدأته واجتهدت من أجله، كانت تحلم -فقط تحلم- بأن تمشي بزي التخرج وسط تصفيق زملائها.

وفجأة، ارتطامٌ دوى هز قاعات الامتحانات، الجميع يهلع، الجميع يقترب نحو جسد هش ممدد على الأرض، وعين كل واحد فيهم ترفض التصديق.. يحاولون التعرف على ملامحها، إنها صديقتهم.. روان، إنها دماؤها.

اليوم: (2025/5/4).

المكان: كلية العلوم بالزقازيق.

الوقت: الواحدة ظهرًا، الوقت الذي سيظل في ذاكرة أكثر من (500) طالب وطالبة.

ليس هناك من يتأكد من النبض، هل هي حيّة؟ أم أن أصحابها يرفضون حقيقة ما حدث؟

البعض شهق، البعض انهارَ، وبعضهم… طعنها بكلامه:

“سبوها باين عليها انتحرت”، “عادي يا شباب مش أول مرة تحصل”.

قالتها بعض القلوب التي لا تعرف معنى الرحمة، الأساتذة الجامعيون رأوا ما حدث وعادوا كأن شيئًا لم يكن، تركوها تسقط وحدها.. كأنها لم تكن يومًا ابنة هذا المكان.

صرخ زملاؤها طالبين المساعدة بأعلى صوت، ولم يكن لصوتهم صدى، كان الصدى الوحيد هو صمت اللا مبالاة.

قرر بعضهم الاتصال بالإسعاف -التي تبعد عن الجامعة بضع دقائق فقط-، مرت أكثر من ثلث ساعة كأنها دهرًا من القلق، يراقبون نبضها، وبين النبضة والأخرى يخشون انقطاع الأمل.

البعض منهم قرر تصوير المشهد كأنه لوحة وداع رُسمت بالدماء والألم، ولم يكتفِ المسؤولين بصمتهم بل منعوهم من توثيق المشهد.

وصلت سيارة الإسعاف لكن جاءت كمتفرج لمشهد الختام لا لمنعه؛ سيارة بلا جهاز، بلا مُسعف، دون أيدٍ متمرسة تلتقط هذا الجسد المنهك الذي يقاوم لحظاته الأخيرة.

دهشة طغت على وجوه زملائها، حملوها بأيديهم المرتجفة، وبكوا في صمت الطريق، منتظرين النجاة عند المستشفى، لتُغلق بدورها الأبواب؛ لعدم وجود هوية لروان، وكأن الاسم على الورق أثمن من دمائها النازفة!

وكأن حياتها مجرد بطاقة، لا نبض تسرقه من الحياة.

رجع بعضٌ من زملائها للإتيان بهويتها، ورأوا ما رأوا: طلبة الاتحاد كانوا يمسحون الدم، ويطمسون الحقيقة.

رأوا في مأساتها صفحة وانطوَت، وفي دمائها شيئًا انسكب على الأرض ويمكن محوه.

التقطت روان أنفاسها الأخيرة؛ تلك الأنفاس التي شهدت على عيون تغافلت، وأبواب أُغلقت، وسط قلوب باردة، وكراسي أهم من الدم، بسبب أناس رفضوا حمل مسؤولية حياتها.

خلف أثر دمائها دليل الإهمال.

جنازتها حضرها الجميع، وفي الوقت نفسه احتجاجات لزملائها تسعى لأخذ حقها، أنفاسها الأخيرة أخلَفَت صوتًا عاليًا هتف به كل من لديه قلب.

كانت “روان” الأخت الصغرى لثلاث بنات، رأى الجميع حلم تخرجها يلمع في السماء.

كانت نهاية روان على نفس أرض الحرم الجامعي التي شهدت حلمها، تفوقها، وضحكاتها الأخيرة.

سقطت، وسقط معها كل الأقنعة الزائفة التي ادّعت الإنسانية.

لم تمت وحدها، بل ماتت الثقة، وتفتحت جروح كل بنت خائفة، كل طالب صامت، كل أم غير متأكدة إن كانت ابنتها في أمان أم لا.

هل انتهت القصة؟ لا.

روان الآن ترقد تحت التراب، لكن وجعها ما زال حيًّا فوق الأرض، يسكننا جميعًا، ينزف فينا، حتى يأتي من يرد لها حقها… أو نبقى نكتب ونبكي على اسمٍ جديد.

Previous Article

خالد شوقي.. نبيلٌ منح حياته للآخرين

Next Article

إيمان دياب.. كانت جميلة واستكثروها علينا!

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨