صوت أربك الرواية.. غسان كنفاني

حين كان الصوتُ في فلسطين لا يزال مسموعًا، كانت هناك أقلام حملت عاتق ترجمة آلام الشعب إلى كلمات، أقلام لم تُجمل الألم، وعلى رأسها قلمٌ ظل يتأرجح بين الهوامش. يكتب ويكتب حتى فاضت كتاباته نهرًا، كاتبٌ تنقل بين أقسامِ الأدب الفلسطيني؛ فغير التسلسل: هنا حيثُ النكبة، ثم لنتعمق في اللجوء والمعاناة، ولنصف أدق التفاصيل في الثورةِ والتمرُّد. لم يتلبَّس لونًا أدبيًا واحدًا كالمعتادِ من الكثير من الكُتاب أنذاك؛ بل كتب في الأدب بمراحله وأشكاله، كتاباتٌ لا تزال تتناقل بين المكتباتِ والألسنةِ كوعيٍ محفور وسرديةٍ مختلفة، بصوت كاتبٍ ظلَّ في غربته يُفتش عن الوطن: علا صوت الاحتلال، علا الاغتيال، علا الألم، علا صوت الرصاص.

“فوهةُ الصوت”
وُلد الصوت الذي عبر الأزمنة “غسان كنفاني” في عكا في (9) إبريل عام (1936)، شهد النكبة التي انتقل إثرها إلى مخيمات لبنان، ثم إلى دمشق، والتحق بمدرسة يافا، حيثُ تعلم الإنجليزية، واتجه بعدها إلى الأدب لينال إجازة به من جامعة دمشق.

ويحمل سلاحه الذي ساعده على عبور الأزمنة والأماكن: إنه القلم. قلم طفل النكبة الذي لم يعرف عن الوطن إلا القليل؛ لكنه كتب عنه حتى أُخذت روحه.

“قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح، وإنها تنحدرُ الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كلَّ يومٍ في سبيل شيءٍ أحترمه”

يصفُ كلماته بالصفاقةِ؛ لأنه لم يستطع فعليًا حمل السلاح والانطلاق في الدفاع عن وطنه، فأجبر خالد على حمله في “عائد إلى حيفا” كمحاولةٍ من محاولات كثيرة في كتاباته لمعرفةِ ماهية الوطن، يضمن في كتاباته دائمًا ذاك السؤال: كيف يسكنه الحب، كيف يسكنه هذا القدر من الوطن؟

“صدى.. كلما ابتعد الصوت صارت المعاناةُ أقرب”
من غربةٍ إلى غربة انتقل كنفاني وسلاحه قلمه، عمل كموزع صحف، عامل في مطعم، ثم في مدرسةٍ بدمشق. لينتقل إلى الكويت عام (1955)، حيثُ كتب أولى قصصه القصيرة “القميص المسروق”، وعمل بالتدريس، حتى استدعاه القلم، لا تزال هناك آلامٌ لتُروى؛ فيعمل في صحيفة الحرية بعدما عاد إلى بيروت، ويحصل على الجنسية اللبنانية ويجد مكانًا له بين الأدباء.

وبين أولئك الأدباء يُقابل زوجته، فتاةٌ رأت النضال في عينيه وأُعجِبت بحماسه، ورغم أنها كانت تسمع عن القضية للمرة الأولى إلا أنها أصبحت قضيتها أيضًا؛ فتشاركا معًا الطريق والوجهة، ووجد قلمه متسعًا من النضج الأدبي والسياسي.

“إطلاق.. المرحلة الأخيرة من رحلة الرصاصة هي إطلاقها”

“لك شيءٌ في هذا العالم.. فقم!”
الأرفف التي لا تزالُ تحمل أعمال كنفاني إلى الآن، تُخبرنا أنه كرَّس كتاباته لنقل معاناةِ وطنه، فملأ رصيده أدبًا مقاومًا، تُرجم بعضه إلى العالم، والبعض الآخر بقي ألمًا يُروى، وأملًا لجيل يقرأ ليعرف الحقيقة؛ فيتعلم أهمية النضال والتعاون في “رجال من الشمس”، يلتمس معنى الوطن في” عائد إلى حيفا”، يسمع دويَّ الرصاصِ في مجموعاته القصصية: “موت سرير رقم (12)”، “أرض البرتقال الحزين”، “عن الرجال والبنادق”. بجانب دراساته التي تركها كتخليدٍ للمقاومة: “أدب المقاومة في فلسطين”، “الأدب الفلسطيني المقاوم”. تسمعه يدافع بقوةٍ عن وطنه في اللقاءات والصحف، وتدرك أن الأقلام كانت تتجلَّى كأسلحة أيضًا أنذاك.

“الغزلانُ تحب أن تموت عند أهلها، الصقور لا يهمها أين تموت”

” ثم سقطت الرصاصةُ أرضًا”
بعد رحلةٍ من التحليق وتجربةٍ نضالية علمنا فيها أن الإنسان هو أيضًا قضية، وأننا لن نجد الشمس أبدًا في غرفٍ مغلقة، اُغتيل في (8) يوليو (1972) بانفجار سيارةٍ مُفخَّخة في بيروت، ليترك وراءه إرثًا من المقاومة لا يُنسى، لأنه كما قال: “تسقط الأجسادُ.. لا الفِكرة”

Previous Article

سفيرنا إلى الوعي الإنساني إدوارد سعيد

Next Article

رمضان على خطى النبي

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨