يَستيقظ صبيٌ وسيم في السابعة من عمره ذو شعرٍ كستنائي وملابس بسيطة دافئة، يفتح عينيه مزيحًا لحافه بلهفة الطفولة المحببة -التي تذكرتَها الآن-، يوم من أيام يناير المشوبة برائحة المطر والنوافذ مغلقة، وقد قررنا الغياب من المدرسة؛ لسوء الأحوال الجوية، سنقضي يومنا في منزلنا الدافئ بضوئه الأصفر الباعث للطمأنينة، تتناول إفطارك ثم تذهب لجهازك اللوحي حيث ملف “ألعاب” الذي تتصفحه يوميًا -بنفس الشغف- ثم يقع الاختيار على واحدة كالنمر الوردي!
“الصلاة والسلام عليك، يا سيدي يا رسول الله”
أسمعت ذلك الصوت من قبل؟ قُرب أذان الفجر في منزل الجَدَّة، كنت حينها تفكر أنت وإخوانك كيف تذهبون للعب دون أن يشعر الكبار! ملابسك وحذاؤك النائمون بجانبك ليلة العيد، فات موعد صلاة العيد لمرة أخرى، أول حفل تكريم مدرسي والمعلم المفضل، اللعبة التي ظللت تدخر لها وتحلم بها كل ليلة، ماذا عن قناة “كارتونك” المفضلة وزميل المقعد؟
سعادة ممزوجة بالألم، هذا ما تثيره بداخلنا مشاعر الحنين إلى الماضي أو “النوستالجيا”، هي وسيلة دفاعية يستخدمها العقل حينما يشعر بالوحدة أو الملل أو أن حياته فقدت قيمتها؛ وذلك لتحسين حالته النفسية فيبدأ باستدعاء ذكريات الماضي واللحظات السعيدة، وهو نفس ما نشعر به حينما نزور بيتنا القديم مثلًا أو نتصفح صورًا أو رسائل مرَّ عليها زمن، الجميل أننا عندما نشاهد تلك الأشياء فغالبًا ما نتذكر الأحداث السعيدة فقط، ويقوم العقل “بفلترة” أي ذكرى سيئة، وهو تفسير منطقي لرغبة بعض الأفراد الدائمة في العودة إلى الماضي.
نذكر في ذلك السياق واحدًا من شعراء العرب الذين اتَّسمت حياتهم بكثرة الترحال؛ لذا كان أغلب شعره يتحدث عن الحنين؛ فهُنا امرؤ القيس يقول:
قِفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلٍ
بِسِقْطِ اللِّوى بين الدخول فَحَومَلِ
يَصِف في هذين البيتين حَنينِه إلى مكان مكوثه القديم، ويتذكر مَن كانوا يعيشون حوله، وكان استخدامه هُنا لتعبير “قفا نبكِ” دالًا على شدة تأثره وافتقاد تلك الأماكن والرفاق؛ كأن ألمَه يفوق حتى قدرته على أن يظل جالسًا!
أكدت دراسات أُجريت بواسطة أجهزة المسح الدماغي أن هناك جزءًا من المخ يختص بهذه الذكريات؛ فهي من الممكن أن تكون مصدرًا للإلهام، أو مساعدة الأفراد على اجتياز لحظاتهم العصيبة؛ فقد تكون العودة لمكانٍ له ذكرى ما أو قراءة كتاب قديم حلًا مُجديًا للتخلص من الضغوط ولو لفترة مؤقتة؛ تبعث في المرء الرغبة في المواصلة مرة أخرى.
من الضروري ألا يستغرق الإنسان في ماضيه حتى ينسى حاضره ومستقبله، نحن لسنا أسرى للماضي أو لمجرد ذكريات مهما كانت صعوبة فراقها؛ فينبغي للعاقل دائمًا تذكُّر أن طبيعة الدُنيا الفناء، وأنه مهما اشتد تعلقنا بما حولنا فهو إلى زوال، ولا يبقَ إلا وجه ربنا ذو الجلال والإكرام، ترويض النفس على التخلي من أكثر الأشياء صُعوبة، لكنها تمنح الفرد قدرًا من الحُرية والعملية؛ كي يمضي فيما يتوجب عليه فعله دون أن يُكبِّله شعور ما.
“كان ياما كان”
صَنائِع اليوم هي ذكريات الغد، لِمَ لا نصنع كل يوم ولو ذكرى واحدة نُحبُّها؟
تجتمع لنا بعد أعوامٍ في أوراقٍ عتيقة نقرأها بسعادة دافئة وحنين، يتبعه مُواصلة بشغف!