محمد الفاتح.. من أحلام الطفولة إلى أسوار القسطنطينية

“أنت يا محمد من سيفتح القسطنطنيَّة” كلماتٌ استوطنت عقل الأمير الصغير “محمد بن مراد”، فاعتادت أمه خديجة هُما خاتون أن تذهب به كل يوم عقب صلاة الفجر وتُريه أسوار القسطنطينيَّة؛ فتزرع بهذه الكلمات البسيطة الرغبة في نفس ولدها لتحقيق ما عجز عنه من سبقوه من الرجال، فزرعت في وليدها أملًا صعبًا وحلمًا مختلفًا، حركه ليُفني عمره في تحقيقه.

هو” محمد بن مراد بن محمد” العثماني، أمير مسلم من بيت إمارة تركية، يُروى أنه حينما علم السلطان مراد الثاني أن خديجة هما خاتون دخلت المخاض انكبَّ على المصحف فلم يفارقه حتى جاءته البشرى -وهو يقرأ آيات من سورة الفتح- أن زوجته وضعت ذكرًا فقال: “الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَقَدْ تَفَتَّحَتْ وَرْدَةٌ مُحَمَّدِيَّةٌ فِي رَوْضَةِ مُرَادٍ”، فسماه محمدًا، ثُمَّ أمر بأن تعم الأفراح كافة الأرجاء ابتهاجًا قُدُوم الأمير الصغير.

أرسل والده يطلب الأساتذة والمعلمين له؛ لكن الأمير الصغير كان مشتكسًا لا ينصاع لأحد، حتى قال أبوه: “أتوني برجل شديد ذو هيبة ليعلم الأمير الصغير”، فأتوه بالشيخ “أحمد بن اسماعيل الكوراني”، فأعطاه الأمير مراد قضيبًا في يده وأمره أن يشدد على الصبي؛ فلما استهان الصبي بأمر الشيخ ضربه ضربًا مُبرحًا حتى هابه، وحفظ القرآن في وقت يسير، ثم قرأ الفتى على شيخه كتبًا في مختلف العلوم الإسلامية كالفقه والشريعة، وتعلم اللغتين العربية والفارسية إلى جانب التركية. هُذِب الفتى فصار سلطانًا.. فتى لو كان تُرِك لأمر نفسه والطرف الذي حوله لصار في طي النسيان، وضاع منه ما فتح الله به عليه.

قُدِّر له أن يجلس على عرش أبيه مرتين، الأولى بعد أن أوصى له أبوه بولاية العهد من بعده، فخلع نفسه من الحكم بعد هزيمته على يد تحالف صليبي، وتفرغ للعبادة، تاركًا الأمر لفتى لم يحتلم بعد.. فتى صغيرٌ وإمبراطورية مترامية تعج بالفتن، وصراعات بين الأمراء عهود تُفسخ وحروب تُفتح أبوابها، كل هذه الأمور أجبرت السلطان “مراد” أن يخرج من عزلته ويعود للحكم مرة أخرى ويأمر جنوده بحرب أعداء الله والدين؛ لكن سرعان ما وافت السلطان المنية ليعتلي الأمير “محمد بن مراد” الحكم من جديد، وتبدأ معه فترة ذهبية من فترات التاريخ الإسلامي. 

كانت القسطنطينيَّة هي الحلم الذي راود كل أمراء الجيوش الإسلامية؛ بداية من عهد عمر بن الخطاب وصراعات المسلمين مع الروم، مرورًا بعهد معاوية بن أبي سفيان وإرساله جيشًا يضم كبار الصحابة وأبنائهم: أبو أيوب الأنصاري، عبدالرحمن بن أبي بكر، عبد الله بن عمر، عبدالله بن الزبير وسبط المصطفى صلى الله عليه وسلم. كل هؤلاء النفر رابطوا مجاهدين على أمل أن يفتح الله عاصمة بيزنطا على أيديهم؛ لكن مشيئة الله تعالى حالت بينهم وبين أملهم، ليُدخر الفتح للفتى الذى ربته أمه على أمل أن يكبر هو ورجاله على أسوار القسطنطنيَّة. 

حشد الأمير محمد -ذو الواحد وعشرون عامًا- جيشًا عظيمًا وأسطولًا مهيبًا ليحاصر القسطنطنيَّة؛ فاستمات الروم دفاعًا عن عاصمة ملكهم، مدينتهم الحصينة المنيعة أكثر مدن الأرض تحصينًا آن ذاك؛ فهي محاطة بالمياة من ثلاث جهات والجهة الرابعة تحيط بها ثلاثة أسوار منيعة بينها خنادق مملؤة بالماء، مُنِعَت من المسلمين عصورًا طويلة واليوم ظن الروم إنها محاولة كسائر المحاولات.

في البداية حشد الأمير جنوده وصلى ركعتين لله تعالى والجنود من خلفه؛ تفويضًا لله أمر هذه الحرب واستعانة به وحده، ثم قسم جنوده فرقًا على أبواب المدينة فارضًا حصارًا شديدًا، وأرسل فرقًا صغيرة تطهر المدن المحيطة بالقسطنطنيَّة من أي جنود آخرين، ثم عمل بوصية رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء من قبله؛ فأرسل إلى ملك الروم يطلب منه أن يسلم ويخلي بينه وبين المدينة لينشر فيها الإسلام وتعاليمه ويدفعون مقابل ذلك جزية معلومة، أو الحرب بينهم؛ فاختار الروم الحرب على السلم.

المدن مثل البشر مهما كانت حصينة فلابد من وجود ثغرة فيها، وكذلك بدأ المسلمون يبحثون عن ثغرة في حصونها، والحمد لله أن الأمور جرت كما شاء الله، فما مر شهر على الحصار حتى تهدمت أجزاء من أسوار المدينة، فبمدافع المسلمين هوت الأسوار الأكثر تحصينًا، وسقطت المدينة التي كانت شوكة في حلق المسلمين.

من أول يوم حارب المسلمون فيه بنو الأصفر، تدفق المسلمون إلى قلب القسطنطنيَّة وصلوا صلاة الفتح خلف السلطان العثماني “محمد بن مراد”، والذي عرف من بعدها بـ “محمد الفاتح”، وسُميت القسطنطنيَّة من يومها “إستنبول أو إسلامبول”. توالت بعدها الفتوحات الإسلامية في البلقان.. الفتوحات التي أرعبت أوروبا بأكملها؛ فشكلوا تحالف مع أعداء السلطنة في أسيا إلا أن السلطان هزمهم عن بكرة أبيهم.

بجانب كونه فاتحًا عاملًا بالشريعة الإسلامية تقيًّا ورعًا، اهتمَّ أيضًا ببرعاية الحضارة والأدب، كما اهتمَّ بتشييد المدن الراقية واهتمَّ كذلك بالعمارة، ليُبنى في عهده مساجد ومعاهد ومدارس، وتتلألأ آثاره المعمارية والتي تمثلت في: مسجد السلطان محمد، وجامع أبي أيوب الأنصاري، وقصر سراي طوب قبو. كما كان رجل دولة فاهمًا وضع دستورًا بقت مبادئه سارية في الدولة العثمانية لوقتٍ طويل، وكذلك لم يُهمَل الأدب من رجلٍ يداوم المطالعة فيه وفي الشعر، فكان يصاحب العلماء والشعراء ويصطفي بعضهم لتولي بعض المناصب.

وفي يوم الخميس الرابع من ربيع أول لعام (886 ه‍) ودع السلطان “محمد الفاتح” الأرض وهو يجهز جيشه لشن الحرب على إيطاليا، بعد أن فتح الفتوح وأسس المدن، ونشر تعاليم الدين ورسم أروع صور التناغم بين المسلمين والمسيحيين مرممًا كنائسهم ومؤمنهم على أنفسهم وصلبانهم.

رحمه الله وهو القائل: “إما أن آخذ القسطنطنيَّة أو تأخذني، وإننا لا نلقي بأنفسنا إلى المخاطر من أجل مدينة، وإنما في سبيل الله عز وجل”. 

Previous Article

النية بوصلة القلب ووجهة الطريق

Next Article

ألف عام في رحاب الأزهر

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨