محمود علي البنا.. صوت المنوفية الرخيم

في صباحاتٍ قرآنيَّة.. وبمشهدٍ يبثُّ الحبَ والراحةَ بالنفوسِ، ينبعث صوت المذياع من إحدى البنايات يشق السكون بآيات من القرآن يتلوها الشيخ “محمود علي البنا”؛ يُحيي بها داخلك بدايةً وأملًا ترجوه، ويبقى بها حيًا مستأنسًا داخل أفئدتنا!

هلَّ طيف مولده في السابع عشر من ديسمبر عام (1926)، بقرية “شبراباص” بمركز شبين الكوم محافظة المنوفيَّة، فكان ذخرًا لوالديه وشفاءً لصدورهم؛ إذ كان لهم أبناء من الذكور لم يكتب اللّٰه لهم العمر، ففي إحدى صلوات الفجر جلس والده في مصلاه يدعو اللّٰه أن يبارك لهم في ولدهم؛ ويرزقه العمر على أن يهبوه للعلم والقرآن، فكان نذرًا حرصوا على الإيفاء به.

بدأت رحلته مع أيّ كتاب اللّٰه بين الرابعة والخامسة من طفولته، وشَقَّ طريقه في الحفظ بكتَّاب “الشيخ موسى” بقريته شبراباص، شرع بحفظ صغار السور وكان حريصًا على حفظ لوحه كحرص الواحد منا على شرب الماء البارد، فصار يومه يزدان بالقرآن وكان ارتياده للكتَّاب أمرًا لازمًا في أمسه وغده، ليتعلم القرآن ويُوفِي بنذر والديه.

كان الشيخ محمود طائعًا بطبعه، وكان في شيخه من حدة الطباع ما تكفي لتبث في نفوس طلابه ومرتاديه هيبته ورهبته، فلم يكن يهنأ للشيخ محمود نومٌ حتى يحفظ لوحه. وفي مشهد يصفه بنفسه، في سكون البيت وأهله نيام، يأتي بمصباح في زجاجة ويجلس على “الطبليَّة” ويشرع بقراءة وكتابة محفوظه، وإذ قام أحد من النوم فحاول أن يرأف به ويقنعه بالنوم؛ لا يلبث حتى يتم حفظه لكي لا يقع تحت طائلة الشيخ موسى؛ لأنه أول من سيتلو على مسامعه.

ولكن كعادة الأطفال في عمره برغبة اللعب والهرب من الكتَّاب.. في مرةٍ من المراتِ وجدته أمه في حقل ما يلعب، فبعثت لشيخه طالبةً إياه؛ لأن طفلها ترك الكتَّاب وكان يجب أن يكون يتلو ما حفظ على شيخه، في صباح اليوم التالي بعث الشيخ مبعوثه ليأتي بالطفل البنا، ونال عقابًا شديدًا كما سماها “علقة”، وكانت الأولى والأخيرة له كما ذكر.

بعد أن بلغ من العمر إحدى عشرة سنةً، منَّ اللّٰه عليه بتمام حفظ كتابه كاملًا، فكان حدثًا جللًا بين أهل القرية، فحِفظ الطفل للقرآن شيءٌ عظيمٌ جدًا! فاحتفل به أهله وجيرانه “بالزغاريد والشربات” وأرسلوا الهدايا لشيخه الذي علَّمه -كعادة أهل القرية-.

وعقب أن يُتم الفرد الحفظ يذهب إلى شيخٍ آخر ليجود عليه القرآن ويتعلم باقي علومه، فعَلِمَ الشيخ محمود أن “المعهد الديني بشبين الكوم” فتح أبواب الالتحاق، فذهب آملًا وعاد بخفي حنين؛ لأن المعهد وقتها اشترط أنه يجب أن يكون ملتحقوه أكبر من الثانية عشرة -وكان عمره وقتها لم يبلغها-، فبلغ الشيخ أنه يُوجد معهد بطنطا يُدعى “معهد المنشاوي” ولا يتقيد بشرط السن، وشرطه الأول هو حفظ القرآن فقط.

فالتحق الشيخ بالمعهد ليضبط باقي العلوم: كالآجرومية والنحو والصرف والفقه.

وكان الشيخ يبرع في العلوم الأدبيَّة ويفضلها، ولا يحب الرياضيات وكان دائمًا ما يرسب فيها، وفي عامه الثالث بالمعهد وجد عنده ملحق في مادة رياضيَّة ما -ربما الجبر-، فوصاه شيخه بالمعهد الشيخ “حسن معوض” بعدما رأى فيه شيئًا من حسن التلاوة؛ بأن يسلك مسلك القراء -لأن دراسة العلم تحتاج وقتًا والملاحق ستشغله عنها-، فذكر له شيخًا يُدعى الشيخ “إبراهيم سلام” بالجامع الأحمدي بطنطا، بأن يذهب ويجود عليه القرآن بالقراءات وهذا هو استعداده.

بدأ الشيخ رحلته في عالم القراءة من الجامع الأحمدي وأتم فيه عامين يدرس القراءات والتجويد، وبعد صولات وللشيخ بالقراءة بالجامعين “الأحمدي والسيد البدوي”، دقَّ جرس الذهاب للقاهرة ليرى القراء المتمرسين أمثال الشيوخ: (محمد رفعت، الشيخ البهتيمي والشعشاعي).

فتعرف حينها على أحد أعضاء “جمعيَّة الشبان المسلمين”، وكان يستفتح مجالسهم حتى عُرِفَ عنه أنه قارئ الجمعيَّة. قد حان وقت ظهوره بالمحافل الكبرى في “احتفال العام الهجري” بدار الأوبرا للجمعيَّة، كان القارئ في الحفل ولم يكن اُعتمد بعد من الإذاعة، وبتوصية من مدير الجمعيَّة اللواء “صالح حرب” ومن مدير الإذاعة وقتها؛ قرأ الشيخ البنا ما تيسر من القرآن بآيةٍ من سورة التوبة: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، فنال استحسان الجمهور وتفاعلوا مع قراءته بشكل كبير بحضور عديد من كبار القراء، تعجبوا عندما رأوه.. كيف لهذا الصوت أن يكون بهذا الصغر! -كان وقتها في الثانية والعشرين تقريبًا-.

قابل عندها “علي ماهر باشا” -رئيس الوزراء آنذاك-، وقام بالتوصية بتسجيل اسمه في الإذاعة، وبالفعل سُجل بالإذاعة واُختُبِر على يد كبار الأساتذة، واجتاز اختباره بتفوق وكانت بدايته بالتسجيلات المباشرة.. بآيات تلاها من سورة هود في بداية الربع: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ}.

في أواخر الستينيات.. طلبه مدير الإذاعة للذهاب إلى الإسكندرية، وأنَّ رئاسة الجمهوريَّة تريده في الثالثة والنصف، مع الشيخ “عبد الباسط عبد الصمد” في ميدان “تريانون”؛ لأن والد الرئيس “جمال عبدالناصر” توفي.

فقرأ الشيخان ما تيسَّر حتى الرابعة -مناصفةً للمدة المحددة نصف ساعة-، وطلبه الرئيس مع مجموعة من الشيوخ ليأتوا لمنزله غدًا لأنه يريد سماع القرآن منهم، وطلب من الشيخ البنا خصوصًا أن يقرأ عليه مرتِلًا لرغبته بسماع صوته المرتل؛ فأعجب وأطرى بصوته النَدِيِّ.

وأمرت رئاسة الجمهوريَّة بتسجيل المصحف المرتل للشيخ محمود علي البنا في إذاعة القرآن الكريم.. وها نحن ذا نستمتع بتلاوة شيخنا البنا الشجيَّة.

كان للشيخ مناقب عدة في الدول العربيَّة ودول آسيا وأوروبا، لكني اخترت زيارته للسعوديَّة والمسجد النبوي لما فيها من أثرٍ كبيرٍ عليّ وحبي لذكرها!

كانت تجمعه علاقة طيبة بإمام الحرمين الشريفين الشيخ “عبد العزيز بن صالح” -رحمهم الله تعالى-، فعندما يطأ الشيخ البنا أراضي المملكة، كان يبعث له ويدعوه للقراءة في الحرمين، ودُعي الشيخ البنا للقراءة داخل الروضة الشريفة بالمسجد النبوي الشريف فلم يستطع القراءة! لعدم قدرته على كف السيل الذي فاض من عينه مهابةً لمقام رسول الله -ﷺ-، وأخبرهم بأنه لن يستطيع القراءة اليوم وسيأتي غدًا، فوصل في اليوم التالي ووقف أمام قبر الرسول -ﷺ- وأخذ يستأذنه بالقراءة، ثم شرع بالتلاوة من سورة الأحزاب: ﷽ {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} إلى أن وصل لآية: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}، فتعالت الأصوات رغبةً من الحضور بتكرار الآية حتى أعادها سبع عشرة مرةً تقريبًا! والدمع ينهال مِن كل مَن لامست الآيات قلبه ومسامعه!

إلا أنه كانت لهذه الرحلة الغنَّاء الوافرة المحفوفة بكتاب اللّٰه وكلماته، نهايةً بوفاة شيخنا محمود علي البنا في الخامس والعشرين من يوليو عام (1985)؛ بعدما ترك في نفوس محبيه أثرًا لن يُمحى، وخلَّد اسمه واسم قريته التي دُفن بها حتى يقضي اللّٰه بأمره.

وأختم بما ختم به الشيخ تلاوته الأولى بإذاعة القرآن الكريم من سورة هود: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.

Previous Article

عبد الرحمن الشرقاوي.. صوت الفلاحين

Next Article

سلوا قلبي عن محمد

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨