خارج أسوار الجامعة

بعد مناقشة “مشروع التخرج” حيث الدقائق الأخيرة في عمري الجامعي، هدأ تصفيق الداعمين وهتاف المشجعين، غاب الدكاترة ومعاونيهم من منصة التوجيه، كل زميل تأهب ليعود من حيث أتى، والكلية بدأت تجر سجادتها من تحت أقدامنا، حتى فرد الأمن لم يترك شعورنا بأننا نطرد كمجازٍ، اقتحم صورنا التذكارية -التي ستقف كغصة في الحلق كلما فتحناها-، أصروا على التقاطها ظهر فيها كدليل على أن هذا البيت لم يعد لنا!

“الطيور مشرّدةٌ في السماوات”
ادفع واسحب.. يربط عقلي تلقائيًا مشهد التقديم، رهبة البداية، ثم أعوام الاستقرار الأربعة بتقلبات المشقة بـ مشهد الختام، مهلًا يا سنين الجامعة! الشماعة التي كنت تعلق عليها انشغالك عن القفز لسوق العمل، والورقة التي كانت تحميك بموجب طالب، حتى هذا اللقب البسيط “طالب” تخلى عنك، تأخذ شهادتك الجامعية وركلة ترجيح تُرى في أي مرمى تقذفك؟ طير كان مخنوق من القفص؛ لكن على الأقل كان مطمئن؟

“تتقاذَفَها فَلَواتُ الرياح”
هل أحضرت الـ سي ڤي، وأعددت البورتفوليو، كم مهارة تملك؟ تجيد استخدام الذكاء الاصطناعي الذي سيقصيك قريبا؟ لكم إنترڤيو تأهبت؟ ولكم شركة قذفت بياناتك؟ هيَّا عزيزي الخريج نبحث عنك بلا خبرة، عذرًا أيها الخريج أين سنوات الخبرة الضوئية؟

“اهدأْ، ليلتقطَ القلبُ تنهيدة”
شكوت لصديقتي أنني مشتتة أي باب عمل أدق! بعد نقاش قالت خذي نفس أنتِ حرة، لكن من سيصطاد حريتك؟ سوق عمل ضبابي بمرتب مجز لكن لا يروق لك، أم آخر تحبه بنقود لا تواجه صرامة العالم؟ أم قفص زوجية يقفل سنوات التعب بمفتاح، ويفتح باب تولد فيه أحلام أخرى وآمال ومتاعب صغار، عالم لابد فيه من بري القلم الرصاص جيدًا؛ لتجيد رسم الطريق حيث تدري جيدًا أن لا ممحاة بعد قطعه!

“ربّما تتنزّلُ.. كي تستريحَ دقائق”
نظرة سوداوية ضيقة، وشعور جماعي طبيعي، عدوى منتشرة بيني وبين رفاقي، ڤيروس من نوع التشتت في الجو، أصبحنا كطفل تخلت يد أمه عنه، ما أن اطمئن لمدربهِ. دفعه في حمام السباحة، حاول أن يقاوم ويصعد للأعلى وجد نفسه في بحرٍ متسع، سفن النجاة كثيرة لكنه مجبر على الغرق إلى أن يختار.

“والطيورُ التي لا تطيرْ.. طَوَتِ الريشَ واستَسْلَمَتْ”
تشبهنا الطيور كثيرًا.. تسائلت ماذا تفعل الطيور عندما تضطر أن تهاجر بعد قسط من الاستقرار؟ تقطع بعضها آلاف الكيلومترات سنويًا بحثا عن الموارد وتقليل المنافسة، بل وتهاجر في الظلام هربًا من المفترسات وأشعة الشمس، تتأقلم مع التغيرات المناخية والطبيعة حتى تصل إلى مناطق أقل ازدحامًا وأكثر وفرة بالموارد، ما قد يقلل من التنافس على الغذاء وأماكن التعشيش، هكذا نحن لا بد من الحركة مهما كان الظلام!

“رفرِفْ..
فليسَ أمامَك
والبشرُ المستبيحونَ والمستباحون: صاحون
ليس أماَمكَ غيرُ الفرارْ” أمل دنقل

فتحت نشرة “ثمانية” وكانت الفقرة المختارة بعنوان “في الصباح يحمد القوم السُّرى” -وسُرى هو المسير والسفر بالليل-، جملة قالها الصحابي “خالد بن الوليد” بعدما وصل لمبتغاه، الأمر بدأ عندما اختاره “أبو بكر الصديق” ليقود جيش المسلمين للقاء جيش الروم في الشام، وقتها أراد خالد بن الوليد اختصار الطريق فسلك صحراء جافة أربعة أيام نفذ فيها ماؤهم، وكانوا الوصول بعد السير في ظلام الليلة الرابعة.

“الجنَاحُ حياة والجناحُ ردى والجناحُ نَجاة”
وهكذا.. أدركت أننا سنخوض طرقًا طويلة لا نعرف فيها ما نريد أو نعرف لكن الطريق وعر، ليس شرطًا أن تكون رحلاتنا كلها مضيئة، وأن يؤنسنا وهج الصباح وتصحبنا البوصلة المنضبطة، الأهم دائمًا.. أن نحاول الوصول. قال مقدم النشرة أول يوم في الجامعة لم يكفِ لينير طريق أربع سنين، فقلت نور الأربع سنين لم يتبق منه ما يضيء ما بعده، صدق ابن الوليد رضي الله عنه.. فلله درُّ السُّرى.

لو أن حياتي الجامعية كفيلم وثائقي أو لو أنني برعت في عرضها كهذا، أعتقد أنني كنت حمامةً في سربٍ، تعرفُ حتى وإن تاهت أنّ الغية موجودة؛ لكن لم تكن الكلية مربي الحمام الأمهر، لكنه شعور أقرب للأمر.. قصت أجنحتي كثيرًا، قصرت في تغذيتي، لم تعطني ما أحتاجه، وعندما سلط مخرج الفيلم كاميرته عليَّ؛ تركتني للطيران وكانت هذه هي لقطة النهاية التي نالت الإعجاب إلى حد التصفيق القوي، ظنوا أنها النهايات السعيدة، لم يعرفوا أن ذلك الطير الطليق الذي أمامهم لا يعرف وجهته!

لكني أنا وأنت مضطرون للطير.. مضطرون للحركة كي لا نكون الطيور التي قال عنها أمل دنقل “انتَخَتْ، وبأعينِها.. فارتَخَتْ، وارتَضَتْ أن تقأقئ حولَ الطعامِ المُتاحْ، ما الذي يتبقّى لها غيرُ سكّينةِ الذَبْح، غيرُ انتظارِ النهاية؟!”

Previous Article

الحيلة كلمة.. والفعل عتمة

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨